عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
36
معارج التفكر ودقائق التدبر
* . . وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ . . . وجاء الضمير هنا في : فَلا مُرْسِلَ لَهُ عائدا على « ما » ولم يأت عائدا على « رحمة » كما جاء في العبارة الأولى ، لأنّ الإمساك قد يكون من آثار عدله الحكيم جلّ جلاله وعظم سلطانه ، أو من آثار ابتلائه الحكيم ، فاقتضى عود الضمير هنا على ما يكون فيه الإمساك . إنّ توزيع الإرسال والإمساك في مجاري القضاء والقدر إنّما يتمّ باختيار حكيم ، وللّه الحكمة البالغة . وختم اللّه عزّ وجلّ الآية بقوله : * وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : أي : وهو في الوجود كلّه ذو القدرة والقوّة الغالبة التي لا تستطيع أن تعاندها أو تعارضها قوّة . وهو الحكيم في تصاريفه ، إذ يختار بعلمه الشّامل التدبير الحكيم ، فيضع الأشياء في مواضعها الّتي تقتضيها الحكمة السّامية ، ولا بدّ أن يكون الحكيم عليما خبيرا ، فبعلمه الشامل ، وخبرته بعباده ، يختار وينتقي من الاحتمالات الممكنات في التّصوّر ما هو حكيم ، فيقضيه بمشيئته جلّ جلاله وعظم سلطانه . ومشيئة اللّه تبارك وتعالى غير اعتباطيّة ولا عشوائيّة ، بل هي اختيار حكيم ، ومن الثابت الحقّ أن صفات اللّه عزّ وجل متكاملة فيما بينها لا متعارضة ولا متغالبة ، وطلاقة إرادته سبحانه لا تطغى على كمال حكمته . « ما » في عبارة : ما يَفْتَحِ وفي عبارة : وَما يُمْسِكْ شرطيّة جازمة ، تربط بين جملتين ، ويعبّر بها عن غير ذي العلم ، وتجزم فعلين ، يسمّى أوّلهما : فعل الشّرط ، ويسمّى الثاني : جوابه وجزاءه ، وهي هنا مفعول به لفعل الشرط الذي جزمته . والضمير في : فَلا مُرْسِلَ لَهُ يعود على لفظ « ما » الشرطية ، أي :